عن توثيق تلك اللحظات

أذكر تفاصيل عام 2012 جيّدًا، لأسبابٍ كثيرة، منها الخاص ومنها العام. كان جوّ بيروت غريبًا في ذاك العام. كأنّها لم تكن عاصمة ولا مدينة… كأنّها كانت ساحة مجاورة لمعركة، تصلها بعض الشظايا وموجات من الغبار. تشبه صالة الوداع في المطار. تشبه الممرّات المظلمة في البيوت

أذكر مقاهيها وأنجح بتناسيها. أذكر صحفها وأتناساها. أذكر اكتظاظها وأشتاقه

وأذكر معرض بيروت للفن… أذكر الغاليريهات المشاركة فيه. ففي 2012، كانت الحرب قد كشفت عن كونها حربًا في سوريا. وفي 2012 أصبح توافد الفنانين التشكيليين والموسيقيين من ورشهم واستيديوهاتهم الشاميّة والحلبيّة الى بيروت مرئيًّا، ملموسًا، مُعاشًا

Both of us 80 x 70 cm  Mixed media on canvas  2012

Anas Homsi – Both of us – 80 x 70 cm – 2012

أصبحت بيروت، الواجهة التي تعرض وتقدِّم وتُبرِز كلّ شيءٍ مع أضواءٍ وبريقٍ، أولى المدن الحاضنة للورش المستأجرة الجديدة والاستديوهات المبتكرة… ولكن أنا التي رأيت كل هذا، لم أوثّق تلك اللحظات. عشتها وسررت بها ولم أوثقها. فاتني الوقت وساهمت الشظايا وساهم الغبار بخنق تلك الحركة اللا إراديّة عندي بالتوثيق

كذلك خُنقت الحركة الفنيّة سريعًا ولفظت بيروت معظم فنانيها المقيمين والقادمين إلى أماكن أخرى… أو مكانٍ آخر ليس هنا.. لا أعلم

Guylan Safadi - Ashes 8 - 100cm x 100cm - 2012

Guylan Safadi – Ashes 8 – 100 x 100 cm – 2012

قد يتبع.. ربّما

Posted in This is Art, Writing | Tagged , , , , , , , , , , , , , , , , , | Leave a comment

لأنّ السجون لا تنشر

لأنّ السجون لا تنشر. كل الكلمات الخارجة من تفسّخات الجدران لا تنطق.. تخرج صامتة

في بيروت، لا يصل الصوت من سجنٍ هناك أو هنا.. خرج فيلم بعد حوالي 25 عامًا على ذلك الصوت، خرج صامتًا.. بصوره وصوته وحركاته وتعبيراته. بيروت كاتم الصوت.. يغلّفها كاتمٌ للصوت. أو هكذا تظنّ. أو هكذا أظنّ. “حريّة التعبير” جملتها المفضّلة لا حريّة فيها ولا هي معبّرة… انّها تردداتٍ محبّرة الزاميّة لا هروب لي منها أو لأحد

السجون لا تنشر.. تشبه الغرف الصامتة التي برمجها نظام ما بطريقة لا تنتقل فيها ترددات الصوت فيروح يسمع كل منا ضجيجه الخاص… هل يعني هذا أنّ الصوت ليس موجودًا؟

****

عن النيزك المنتظر
عندما يأتي النيزك، يضرب الأرض، يدمّرها، وبعده تعود الحياة من جديد، عندها ستجد الكائنات الحيّة بعدنا آثارنا على الحيطان… خطوط متكرّرة. لكل أربع خطوط عاموديّة متوازية خطّ أفقي يشطبها. ثمّ مسافة صغيرة. ثمّ من جديد أربع خطوط عاموديّة وخطّ أفقيّ يشطبها

سيظّنونها داتا تركناها لهم.. سيظنّون أننا كنا نعطيهم من أسرار حضارتنا

من منهم سيكتشف أنّنا كنا فقط نعدّ أيام السجن بانتظار النيزك؟

Posted in Writing | Tagged , , , | Leave a comment

في المقهى 13

 -37-

لا أعرف سبب النظر الى الساعة والرف باستمرار اليوم.. أنظر وأنتظر… الرفّ المخصّص للحلويات التي يقدّمها المقهى ويعرضها أمام الروّاد ليختاروا منها فارغ منذ يومين… لا أحبّ هذه الحلويات كثيرًا، ولكنّي أنتظر – منذ يومين –  أن تأتي الطلبيّة الجديدة

ربّما أنتظر اكتمال الطقس عند وصول الحلويات.. تأتي الفتاة وتمسح الرف وتذهب. بعد دقائق تعود محمّلة بقالب أو اثنين تضعهما. ثم تذهب. وتعود بالثالث. ثم الرابع والخامس. ثم ترتّب القوالب وتلصق على كلّ منها “مدّة الصلاحيّة”

مدّة الصلاحيّة وحدها سبب للقلق.. ربّما انتهت صلاحيّة أشياء كثيرة دون أن أعرف. أنسى أن أفحص (أفحص، المصطلح الذي تستعمله صديقتي من فلسطين عندما تريد أن تتأكّد من شيء ما… كأنّ التأكّد من شيء ما فيه امتحان للشيء نفسه). ربّما كانت المقاهي تفحص الحلويات بمجرّد لصق مدّة صلاحيّتها عليها.. فلتتحمّل الحلويات مسؤوليّة تفسها فتتلف نفسها بفسها عندما تنتهي مدّة العرض

-38-

شاب يجلس وحده الى جانب شجرة الزيتون ويصفّر لحن “سلّملي عليه” مع الموسيقى. يلفّ سيجارة على مهل.. لحن الأغنية لا يسمح بالتسرّع. وكذلك الجوّ العام في المقهى اليوم. يشعل السيجارة ويشرد. في اللحن. في الشجرة. في النادل الّذي يحاول منذ الصباح حفظ الأطباق الجديدة التي تمّت إضافتها الى قائمة الطعام

يختلّ توازن المقهى مع هذه الإضافات… ولا يعيد الأمور الى سويتها الّا قائمة الموسيقى التي تتكّرر

لو غيّرت المقاهي قائمتي الموسيقى والطعام في آن لحصل الإنقلاب المنتظر

-39-

في المقهى، يخرق يوم خريفيّ وسط لهب الصيف. بلا خوف، ولا تردّد.. في الصباح الباكر كان قد أرسل بعض ألوانه الى نافذة غرفتي. أنذرني. فحملني شوق طفوليّ الى المقهى.. شوق شبيه بشعوري عندما كان جارنا صاحب السنترال الوحيد ينادي علينا قائلًا أنّ لنا اتصال من الخارج… لا يهمّ من المتّصل. لا يهمّ من منا سيتكلّم – وأغلب الظنّ أنني شخصيًا لم أتكلّم نهائيًا من ذاك السنترال – ولا يهمّ إذا كانت المخابرة ستحمل ما هو جميل

الشعور، الشوق أعني، هو لحظة هواء وبعض ألوانٍ خريفيّة تخرق اللهب الّذي يفترس القلب، لا لتعطي أمل بل لتحمل شخصًا الى “زمكان” آخر

ربّما لهذا السبب تقفل بعض المقاهي أبوابها في هذا الوقت من العام، عندما تبدأ معركة الخريف مع الصيف، لكي لا يختلط الشوق بالأمل

Posted in Writing | Tagged , , , | Leave a comment

في المقهى 12

-34-

نقاش صباحيّ متأخّر في المقهى.. نحن في هذا الشرق نكره أنفسنا بحسب وسادة المقعد الخارجيّ أم أننا فقط لا نعرف أنفسنا كما يقول كرسيّ الخيزران؟ لا تقبل الطاولة مصطلح “شرق”.. تقول أنّه “مشرق”

لا يحتدم النقاش.. ينتهي بابتسامة.. ربّما كما قال صديقي بلادنا قديمة جدًّا.. قديمة لدرجة لا تستطيع التغيّر هكذا

ربّما لو بادرت المقاهي القديمة بتغييرٍ ما، للحقت بها البلاد كلّها.. ربّما لو عرفت السلطة ذلك لرصدت ميزانيّة سنويّة لإبقاء كل المقاهي جديدة… كانت لتعطي رخصًا شهريّة غير قابلة للتجديد… لكنّها وصلت متأخرة.. من أقدم؟ السلطة أم المقهى؟

-35-

لا أجد مقعدي في المقهى اليوم. أم أنّي بقيتُ هناك. أم أنّ غيرة بيروت جعلتها تعير مقعدي وأنا هناك
كيف أعودُ من المقهى الشامي؟ أنا لم أجد قهوتي هناك… ولكنّي لم أحبّ قهوتي هنا اليوم
هل شعرت ماكينة القهوة بهذا.. فجافتني؟
لا أفكّر الّا بدرويش.. بل بدرويشين.. واحدٌ كنا قد قلبنا الشام القديمة كلها ولم نجده.. والثاني يطاردني في كلّ صوت بنبرته غير المبالية كالعادة: في دمشق، يغنّي المسافر في سرّه.. لا أعود من الشام.. حيًّا.. ولا ميتًا.. بل سحابا
لو علمت مقاهي بيروت أنّ السحاب فوقها هو عبق من عاد من مقاهي الشام لكانت تركت الباحات الأرضيّة للشام وأخذت فوق السطوح مكانًا لها

-36-

تلك العلاقة بين المقهى والمروحة الكهربائيّة… يمضيان الصيف سويًّا في علاقةٍ مفتوحة ويفترقان برضى وقناعة الطرفين. لا يعطي المقهى من نفسه لهذه العلاقة، لا رطوبته تتغيّر، ولا الحرارة فيه. هي نزوة عابرة. فيها بعض الذكريات وفيها القليل من التخاصم والمصالحة بوتيرة متقطّعة.. لنقل مرّة كل ثلاث ساعات، بحسب دوام الكهرباء، تنطفىء المروحة لدقائق… ثم تعود. وهي تعرف أنّه مع أوّل نسمة هواء خريفيّة سيرميها خلفه وتعرف أنّه لن يسهر معها ليلًا الّا بوجود أصدقاء. ربّما كانت هذه العلاقة فرصتها الوحيدة لإصدار كل هذا الضجيج المزعج دون اعتراض أحد. أو ربّما كان ضجيجها هو اعتراضها على هذه العلاقة غير المجدية

ربّما كانت المقاهي الأجمل هي تلك التي تعترف صراحةً أنّها مكان للعلاقات القصيرة فلا تدّعي أنّها بيت

Posted in Writing | Tagged , , , , , , , , , | Leave a comment

في المقهى 11

-31-

عندما يتم تعزيل البار في المقهى صباحًا تكون الأجواء مشحونة بالجردات والفرز
حبيبان يتبادلان العناق والقبل فجأة.. معه قبلة لها كانت لم تحصل بعد… كان أراد أن يقبلّها عند باب السيارة ذاك المساء لكنّه تراجع عندما وصلتها رسالة قبل نزولها جعلتها تبتسم. ضاق به الجو حينها. شعر أنّ تلك الابتسامة كان يجب أن تكون ابتسامة بعد القبلة… ولكنّه في المقهى اليوم، عندما قبّلها فجأة ابتسمت ثم تناولت هاتفها وكتبت شيئًا وابتسمت من جديد
وهكذا أصبح من جديد معه قبلة لها لم تحصل بعد
ربّما يجب على المقاهي أن تقوم بجردات البار كلما انخفض منسوب العناق والقبل عند روّادها

-32-

وفي اليوم الثاني من الأسبوع هناك، يكون المقهى في يومه الأوّل هنا. ما الفرق؟ لا فرق

اليوم الأول قد يصير يومًا ثانيًا

دمشق في يومها الثاني اليوم، بيروت في يومها الأوّل… ما الفرق؟ لا فرق

والمقهى تائهٌ بين الإثنين

ربّما احتاجت المقاهي، كما المدن، أن تعيد ترتيب أيام أسبوعها بشكلٍ مختلف… اليوم الأوّل لا يأتي بعد السابع هكذا… ما هذا الروتين القاتل لمدنٍ كبيروت ودمشق؟ أترضى حلب بهذه الرتابة؟ إن أقنعتم بغداد تقنعوني… لو رضخت ماكينة القهوة لهذا النظام لأنتجت جميع فناجينها بالطعم نفسه

-33-

في المقهى اليوم، لا مكان للحقائب المقلقة. الكلّ يحمل أغراضه بيده.. وعليه أن يختار ما تستطيع أصابعه حمله لدخول المقهى. تقف الفتاة ذات الحقيبة الثقيلة غاضبة “أهكذا تقولون لي ببساطة بأنني غير مرحّب بي في المقهى؟” تنظر الفتاة ذات الحقيبة الصغيرة بعين المنتصر… لا أحد يجيب. “لا شيء في حقيبتي للتصريح… يمكنكم تفتيشها”… لا أحد يجيب. تبتسم كتب الرفوف… ربما أتتهم الفرصة المنتظرة للعودة الى أيدي الروّاد… لا احد يجيب. “حسنًا سأذهب ولكن اعرفوا أنّ هذه الاجراءات لا تفيد” لا أحد يجيب

لماذا رُبِطت الحقائب بشعور الريبة والحذر؟ ربما كانت المقاهي منفذًا للحقائب قبل الروّاد… تعلق فيها أخبارٌ ولحظاتٌ وصورٌ وأغراضٌ تمّ خفيها بسرعة أو إخراجها لمفاجأة أحدهم بهديّة… ربّما احتاجت الحقائب الخروج أكثر من حامليها… ربّما على المقاهي الوثوق بلطافة الحقيبة وعدم تسليمها للريبة القاتلة

Posted in Writing | Tagged , , | Leave a comment